
خلف الإجماع الفقهي-السياسي الظاهر والمرعي إيرانيا، توجد تجاذبات قوية قديمة داخل الأوساط الفقهية الشيعية سيكون لها تأثير مهم في علاقة بالمشروع الأميركي في العراق والعلاقات الأميركية الإيرانية.
هناك اتجاه عام بين عامة المراقبين والمحللين العرب وحتى بعض المراقبين الغربيين لمشهد صناعة القرار الأميركي ومسألة الدور الإيراني في المنطقة يتميز بطرح الأسئلة الكبرى بكثير من المواراة والضبابية وأحيانا من خلال مسلمات غير مبررة. يتمثل ذلك تحديدا في المواقف التالية: أن التيار النيومحافظ قد "انتهى" من جهة تأثيره في صناعة القرار الأميركي، وذلك متماثل مع ما يُقدم بكثير من التفاؤل غير المبرر والترديد الانتقائي لمقولة ريتشارد هاس حول "نهاية العصر الأميركي" في المنطقة. يُضاف الى ذلك أن تقييم السياسة الأميركية تجاه العراق وإيران يتسم بتداعيات المواقف السابقة: حيث يقع الاطمئنان الى مقولة أنه لم يعد للإدارة الأميركية من خيارات في العراق سوى الانسحاب الوشيك وأن إيران باتت تملك الكثير من المفاتيح العراقية. أخيرا يقع التركيز على مسألة الصراع الشيعي-السني بشكل يصور المشهد الشيعي كمشهد متجانس (حيث تتموقع في مركزه إيران)، مشهد يملك صانعوه خطة إقليمية واضحة تشق بدون تعرجات المحاور العراقية واللبنانية والخليجية وحتى غيرها عربيا.
وفي نفس هذا الإطار يوجد تركيز أكبر على تفاصيل الأسئلة الصغرى أو الإجرائية وتحديدا مسألة "ما إذا كانت ستهاجم الإدارة الأميركية إيران". والمشكل أن معالجة هذه المسألة لا يتم من خلال محاولة استيضاح معمق للمسائل الكبرى المذكورة أعلاه بل من خلال استكشاف انتقائي وأحيانا متناقض لتقارير صحافية مثيرة حول تصريحات هذا المسؤول أو ذاك أو هذا العسكري السابق أو ذاك حول أن الهجوم وشيك أم لا.
يأتي هذا المقال لغاية طرح مقاربة مختلفة عما هو سائد لجملة من المسائل وهي أساسا: أولا، مسألة ماهية النفوذ النيومحافظ في الإدراة الأميركية في الوقت الراهن وعلاقة ذلك بماهية السياسة الأميركية في علاقة بالنظام الإيراني والوضع في العراق. ثانيا، مسألة طبيعة المشهد الشيعي في إطار تصاعد التجاذب الشيعي السني في المنطقة وتقييم طبيعة الدور الإيراني تجاه مسألة الصراع الطائفي.
إدارة لا تزال نيومحافظة
يخلط البعض بين ما يتمنى أن يحدث وما يحدث فعلا. ينطبق ذلك على رؤية بعض المحللين لمسألة طبيعة النفوذ النيومحافظ الراهن في الإدارة الأميركية. فبين إصدار فرانسيس فوكوياما لمقاله ثم كتابه الاعتذاريين بداية سنة 2006 حول "ما بعد التيار النيموحافظ" (After Neoconservatism) وهزيمة الجمهوريين في الانتحابات التشريعية النصفية وما تلاه مباشرة من إقالة لوزير الدفاع دون رامسفيلد على التوالي في 7 و8 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006 انجرف الكثيرون في موجة من التهليل العاطفي من خلال تحاليل تبشر بـ"نهاية" التيار النيومحافظ على الأقل على مستوى نفوذه في البيت الأبيض. أتى الاستغناء المتدرج من قبل الرئيس بوش عن بعض نجوم التيار قبل وإثر وبعد ذلك لتأكيد هذا الاعتقاد لدى هؤلاء. ويندرج في هذا الإطار إعفاء ريتشارد بيرل ثم دوغلاس فايثث ثم بول وولفويتز من مهامهم الاستشارية والتنفيذية في البنتاغون ثم القبول باستقالة سكوتر ليبي من "مجلس الأمن القومي" للمثول أمام العدالة وأخيرا التراجع عن ترشيح جون بولتون للممثلية الأميركية في الأمم المتحدة. ولكن اكتملت لدى البعض هذه "الصورة النيومحافظة" المتهاوية منذ عشية الانتخابات التشريعية النصفية عندما نشرت (3 تشرين الثاني/نوفمبر 2006) بشكل فضائحي مجلة "فانيتي فاير" (Vanity Fair) المختصة في الموضة مقالا أصبح عنوانه الساخر (Neo Culpa) دلالة على "نهاية مرحلة". وقد حوا المقال سلسة من التصريحات لسبعة من بين رموز النيومحافظين الأكثر بروزا في مجال الكتابة والتحليل والذين شغلوا مواقع استشارية في الإدارة الحالية (ريتشارد بيرل، دايفيد فروم، كينيث أديلمان، إيليوت كوهين، مايكل ليدين، فرانك قافناي، مايكل روبن) وهي تصريحات تقوم بنقل أعباء فشل المشروع الأميركي في العراق على أكتاف وزارة الدفاع وحتى على عاتق الرئيس نفسه. برز من بين هؤلاء الرموز في هذا المقال وفي مقالات لاحقة (الواشنطن بوست 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2006) كينيث أدلمان (أكثرهم أناقة) بتصريحات أكثر مباشرة من جهة النبرة النقدية حيث وصف مجمل "فريق الأمن القومي" وخاصة بول بريمر وجورج تينيت بأنهم "عاجزون" وختم هجومه على رفاق الأمس بالقول "من البديهي أن الرئيس يتحمل المسؤولية في النهاية" خاصة بعد أن منح الأخيرين أكثر ميداليات الشرف رفعة. بدا ذلك، لبعض الراغبين في "نهاية" النيومحافظين، بمثابة طلاق عنيف بل وغادر من حيث التوقيت السياسي خاصة وأن هذه التصريحات جاءت قبيل أيام من الانتخابات النصفية. ثم أتت نتائج تقرير "مجموعة دراسة العراق" (The Iraq Study Group) المعين من قبل الرئيس نفسه (منذ الصيف) والذي لم يحو تقريبا أي عنصر مقرب من النيومحافظين وكان يخضع لعناصر مقربة من الرئيس بوش الأب بما يعنيه ذلك من هيمنة لممثلي التيار الواقعي (من الحزبين) ليبدو بمثابة فريق العمل المشترك القادم (الديمقراطي-الجمهوري) الذي سيشرف على سياسية تنفيذية جديدة تقطع مع محاور السياسة النيومحافظة. وجاء تعيين أحد أعضائها (غيتس) كوزير دفاع جديد خلفا لرامسفيلد كمؤشر على إمساك فريق غير النيوحمافظين بملف السياسة الخارجية.
غير أن كل ذلك ليس كافيا للانخراط في مقولة نهاية التيار النيومحافظ. فبعد يوم فقط من نشر الواشنطن بوست للتقرير المطول (المتصل بالتقرير المختصر الذي ظهر في "فانيتي فاير") عن تراجع رموز نيومحافظة عن دعم الرئيس بوش نشر الصحفي (المطلع بشكل غير عادي عن شؤون البيت الأبيض) سيمور هيرش في أسبوعية النيويوركر (20 تشرين الثاني/نوفمبر 2006) تقريرا مطولا كذب فيه بشكل مبكر تراجع نفوذ النيومحافظين في تقرير السياسة الخارجية. وكان التقرير (المعنون "العمل القادم") قد كشف أن نائب الرئيس ديك تشيني لم يصبح ممسكا بمفرده بملف السياسة الخارجية برمته (أمر غير معتاد بالنسبة لخطة نائب الرئيس) فحسب بل كان يحضر منذ ما قبل الانتخابات كيف سيتصرف إزاء احتمال انتصار الديمقراطيين في غرفتي الكونغرس. وبمعنى آخر لم تكن نتيجة الانتخابات لتعني شيئا في علاقة بماهية نفوذ النيومحافظين في البيت الأبيض.
أكثر من ذلك لم يكن عزل رامسفيلد في علاقة بضغوط معادية للنيومحافظين بقدر ما كان في علاقة بضغوط من قبل النيومحافظين على الرئيس بوش للتخلص من وزير الدفاع. علينا أن نتذكر هنا أن رامسفيلد قد كان دائما تحت مرمى قطاع واسع من النومحافظين بالرغم من تموقعه ضمن استراتيجيتهم العامة. حيث كان بيل كريستول وكاغان قد بدؤوا ضغوطا مكثفة عليه منذ ما قبل أحداث 11 أيلول/سبتمبر في علاقة بسياسته الدفاعية التي تعمل على استعمال أقل عدد ممكن من الجنود في استراتيجته الدفاعية وهو ما كان يعني تخفيض تكاليف ميزانية الدفاع وهو ما كان مؤشرا خطيرا ومبكرا بالنسبة للمنظرين الأساسيين للتيار النيومحافظ في علاقة بالضرر الذي يمكن أن يحدثه رامسفيلد. وكان لومهم دائما مركزا على رامسفيلد واستراتيجيته الحربية حين الحديث عن "مشاكل" الجيش الأميركي في العراق حيث كانت الدعوة لزيادة عدد القوات الحل السحري بالنسبة لهؤلاء منذ سنة 2004. واتخذ الضغط النيومحافظ على رامسفيلد منحى أقوى وأكثر علنية وتنظيما عندما كتبوا عريضة موجهة للكونغرس (أمضاها أقطاب التيار النيومحافظ بالاضافة لبعض النواب الجمهوريين) بتاريخ 28 كانون الثاني/جانفي 2005 بهدف الضغط على الرئيس ووزير دفاعه للرفع من عدد القوات. وهو الخيار الذي اتجه اليه الرئيس مؤخرا بعد اقالة رامسفيلد الذي رفض دوما القبول بذلك. وهكذا تم الإتيان بشخص من تكساس موالي لآل الرئيس مثلما هو الحال مع روبرت غيتس للقيام تحديدا بمهمة رفع القوات. وعلى ما يبدو كان وجود غيتس أيضا مهما من زاوية أخرى وهي التقليص من ضغوط النواب الجمهوريين وبعض الديمقراطيين وتصوير تعيين غيتس كمؤشر على رغبة الرئيس في "تغيير المسار". أما التراجع عن تعيين بولتون ممثلا أميركيا في الأمم المتحدة فلا يمكن أن يكون مؤشرا عن تراجع للتيار النيومحافظ بما أن المرشح البديل الذي تم تقديمه أي زلماي خليلزاد هو أيضا من الأقطاب النيومحافظة. إن المسألة الأهم التي يجب التأكيد عليها أن عزل عناصر نيومحافظة من الإدارة لا يأتي في إطار


































